أوروباالميركاتو الاسبانيالميركاتو الصيفيتحليلات

تحليل | يوم أن وجد فلورنتينو بيريز مَن «يشكمه»!

زين الدين زيدان...كلمة السر

حين تقرر شراء لاعبًا مشهورًا، عليه الطلب في السوق، يولد ذلك شروطًا مستفزة من اللاعب نفسه بإيعاذ من وكيل أعماله. الأندية الكبرى تتمكن من التعامل مع تلك الشروط وتلبيها بالذات لو كانت تُدار من رجال أعمال لهم أهدافهم الاقتصادية والترويجية مثل بيريز وأبراموفيتش والشيخ منصور وناصر الخليفي، وهذا يُصعب الأمور في المقابل على الأندية الصغرى لضم لاعبين على نفس القدر من الشهرة والشعبية ويوجه ضربة مؤلمة للأندية الغنية المُتمسكة بالمبادئ التي لم تعد تسمن ولا تغني من جوع في زمن تعاظم فيه دور رجال الأعمال وإندثر فيه دور مصطلح «المدير الفني».

هناك مَن لا يَقدر على تحمل الشروط المستفزة للاعبين والوكلاء لسبب مادي أو لسبب استراتيجي، مثلما فعل فيرجسون مع هازارد عام 2012 حين أوقف انضمامه لليونايتد لرفض تسديد ثمانية ملايين إسترليني عمولة لوكيل أعماله.

الرافض لسبب مادي أو لسبب استراتيجي، له العذر، لكن ماذا عن هؤلاء التعساء الذين يرهقون أنفسهم في تنفيذ وتلبية كافة بنود التعاقد بما في ذلك البنود الفنية والتكتيكية؟ دفعهم للثمن يكون باهظًا للغاية، يكفيني ذكر اسم بارما الذي أفلس وهبط إلى دوري الدرجة الرابعة بعدما كان يضرب به المثل في فترة التسعينيات بعد تمكنه من ضم نخبة من أفضل لاعبي العالم مثل «هيرنان كريسبو وسيباستيان فيرون وتشييزا وجانلويجي بوفون ومورفيو وتورام وفابيو كانافارو».

عندما تتعاقد مع ناشيء أو لاعب صاعد، يسعى بكل ما أوتي من قوة لإثبات نفسه وتثبيت أقدامه بشتى السبل، والأهم من ذلك لا يجروء على وضع نفس شروط النجوم أو اللاعبين الكبار في عقده، مثلما فعل ديفيد بيكهام سنة انضمامه لصفوف الريال عندما اشترط لعب كل الركلات الركنية والركلات الثابته، سواء كان في حالته الفنية أم لم يكن، بالإضافة لعدد معين من المشاركات في الدوري المحلي ودوري أبطال أوروبا، رغم أن فيجو وزيدان كانا من أفضل مُنفذي الركنيات والركلات الثابته مثله أو بدرجة أقل منه بقليل. مثل هذا الشرط أضر بريال مدريد وقتها من الناحية الفنية. أما لو بيكهام كان إنضم وعمره 22 عامًا فقط وليس 28 كما حدث؟ بالطبع لم يكن ليغالي ويبالغ في شروط تعاقده.

في الحالتين، اللاعب الكبير يمكن أن يفشل واللاعب الصغير يمكن أن يفشل، لكن درجة فشل الأول تبقى أعلى بمراحل من الثاني الذي من الممكن أن يتحسن ويتأقلم مع أساليب اللعب، وهذا ما فعله العديد من اللاعبين مثل رومان ريكيلمي وبول بوجبا ودييجو فورلان وجوسيبي روسي وروميلو لوكاكو وفيليبي كوتينيو ودانيال ستوريدج.

النجوم الذين يعملون بمقولة عمرو دياب الشهيرة «أنا مهما كبرت صغير» لا يقف سوقهم ويواصلون لمدة طويلة في الملاعب. توتي كان يتلقى أقوى العروض من ريال مدريد وميلان، ومع ذلك يُجدد في كل مرة لروما إلى أن وصل عامه الـ40 بنفس المستوى تقريبًا، وبوفون كذلك. ريان جيجز كلما كان ينتهي عقده مع اليونايتد لا يشترط شيئًا على فيرجسون ويُمدد عقده لمدة سنة وحيدة، ليحظى بنهاية تاريخية مذهلة، عكس فان بيرسي مثلاً الذي كان يشترط راتبًا معينًا لم يجده إلا في دوري ضعيف مثل الدوري التركي مع فنربخشة، لتواجه مسيرته خطر الموت المُحقق إن لم تمت بالفعل!.

المؤسسات التي تفكر في الاستعانة بأصحاب الخبرات الطويلة أو في تقديرهم ببنود تعاقدية «خيالية» أصبحت قليلة ومعدودة على أصابع اليد الواحدة، حتى ريال مدريد نفسه بدأ يفكر في الشباب على حساب الخبراء وإلاّ لما رحل كاسياس وجاء كاسيا، وانضم فاران وغادر كارفاليو قبل سنوات، لكن القصة تضاعفت من بعد وصول زين الدين زيدان لتولي المسؤولية خلفًا لرافا بينيتيز مطلع هذا العام، واتضح أخيرًا أن ريال مدريد عنده «مدير فني» وإن صلاحيات فلورنتينو بيريز الفنية بدأت تتقلص وتتراجع عما كانت عليه في آخر ثلاث سنوات، وعادت لما كانت عليه أيام مورينيو لكن بدهاء وذكاء من زيدان عكس مورينيو الذي كان يعشق الاصطدام عشق قيس لليلى.

حين عُين رافا بينيتيز في منصب المدير الفني لريال مدريد، شككت في قدرته على تطبيق هذا المصطلح بحذافيره، واكتفيت بوصفه بمدرب ريال مدريد المسؤول عن إدارة الفريق على أرض الملعب فقط لفشله الواضح في السيطرة على الفريق خارج الملعب، ليس لضعفه التقني أو لسوء تعامله مع النجوم الكبار وإحتوائه للاعبين الصغار، وإنما لهشاشة شخصيته وتراجع شعبيته في الصحف والمدرجات أمام رجل بقوة ونفوذ فلورنتينو بيريز، وبالمناسبة الشيء نفسه يخص كارلو أنشيلوتي الذي حاول مرارًا وتكرارًا هزيمة بيريز بفرض رأيه لكنه فشل مثلما فشل من قبله ديل بوسكي.

فلورنتينو وجد أخيرًا مَن يشكمه متمثلاً في نصير اللاعبين الواعدين «زيدان» الذي يلعب دور الفارس المُتمكن من لجامه وسيطرته على الفريق والإدارة في آن واحد، والظروف ساعدته كثيرًا بالفوز بدوري أبطال أوروبا نهاية الموسم الماضي.

الشكيمة هي الحديدة المعترضة في فم الفرس من اللجام، والشَكِيمَةُ حسب أساتذة اللغة هي قوة القلب، أما الشَّكِيمة فهي الانتصار من الظلم!.

نعم، سياسة بيريز حاليًا مشكومة شكمًا لم أعهده على مدار الـ16 سنة الماضية منذ ظهوره في عالم المستديرة.

زيدان قدم مواهب رائعة وسيقدم المزيد منها، وسيحقق بهم نتائج مذهلة قد يُسيطر بهم، مثلما سيطر برشلونة بجيله الذهبي إنييستا وميسي وتشافي وبوسكيتس وبيدرو وبيكيه وفيكتور فالديز.

لاعب مثل لوكاس فاسكيز قدم في نصف موسم مستوى أفضل بمراحل من مستوى خاميس رودريجيز الذي حصل على فرص لا تعد ولا تحصى في عهد أنشيلوتي ورافا وحتى زيدان.

تطور مستوى خيسي كمهاجم وكجناح نقله هذا الصيف إلى باريس سان جيرمان، والمدافع ناتشو لعب في مراكز مختلفة بعد أن كان دوره مقتصرًا على مركز الظهير الأيمن.

كل هذا ولم نتحدث عن أسينسيو وماريانو دياز، أهم مكاسب الريال في فترة التحضير للموسم. هذا هو ريال مدريد الجديد بعدما كان معقل الخبراء والأسماء الرنّانة، بات فريقًا شابًا يديره مدير فني واعد قادر على فرض شخصيته وأسلوبه واستراتيجيته بهدوء أعصاب وثقة في النفس دون تصريحات جدلية أو تصرفات مثيرة للشفقة

كلمات دالة

محمود ماهر

صحفي وكاتب رياضي مصري. مؤسس موقع النسخة العربية لموقع Goal.com، محلل رياضي في قناة RT الروسية، وعضو فريق كُتاب موقع قناة "العربية"، ومراسل في كأس العالم للأندية 2013 و2014 وكأس القارات 2017 وكأس العالم 2018، ودوري أبطال أفريقيا 2012-2018.، وصحفي في موقع ميركاتو.

مقالات ذات صلة

إغلاق