أكاديمية رين الفرنسي.. صادرات لا غبار عليها لأعتى أندية أوروبا
لم يكن نادي رين الفرنسي يومًا من الأسماء الأكثر ضجيجًا في الدوري الفرنسي، لكنه نجح على مدار العقود الثلاثة الأخيرة في ترسيخ مكانته كأحد أبرز مصانع المواهب في أوروبا، بفضل منظومة كشف وتطوير اللاعبين، التي جعلت منه محطة أساسية لانطلاق نجوم الصف الأول نحو أكبر الأندية العالمية.
منذ استحواذ رجل الأعمال الفرنسي فرانسوا بينو على النادي عام 1998، دخل رين مرحلة من الاستقرار المالي والإداري، مكّنته من الاستثمار بقوة في قطاع الناشئين، وبناء شبكة استكشاف قوية داخل فرنسا وخارجها، ليصبح لاحقًا أحد أهم مصادر التصدير الكروي في القارة العجوز، رغم تواضع حصيلته من البطولات.
ورغم أن خزائن النادي لم تمتلئ بالألقاب، باستثناء كأس فرنسا موسم 2018-2019، فإن القيمة الحقيقية لرين تجسدت في قدرته الفريدة على اكتشاف النجوم مبكرًا، وصقلهم، ثم تسويقهم إلى نخبة الأندية الأوروبية بأسعار قياسية.
وقد يظن البعض أن تصدير نادي رين للمواهب هو أمر حديث العهد، ولكنه في الحقيقة امتداد لسياسة راسخة تعود لعقود، غير أنها ازدادت وضوحًا في السنوات الأخيرة، بعدما نجح النادي في إخراج عدة نجوم على فترات زمنية متقاربة.
سيلفان ويلتورد البداية
وكان المهاجم الدولي الفرنسي السابق سيلفان ويلتورد من أوائل الأسماء اللامعة التي عبرت بوابة رين نحو العالمية، قبل أن يصبح أحد أبرز مهاجمي فرنسا، ويتوج مع أرسنال وبوردو وليون، ويساهم في تتويج “الديوك” بلقب يورو 2000.
ففي صيف عام 2000، اتخذ ويلتورد خطوة مفصلية في مسيرته، حين غادر رين إلى أرسنال في صفقة بلغت قيمتها نحو 13 مليون جنيه إسترليني، وكانت آنذاك من بين أغلى الصفقات في تاريخ النادي، ليصبح لاحقًا أحد رموز “الجيل الذهبي” للمدفعجية، ويشارك في حقبة ذهبية تُوج خلالها بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز وكأس الاتحاد الإنجليزي، مؤكدًا نجاح رين في تقديم مهاجم من الطراز الرفيع للساحة الأوروبية.

وقبل ذلك بعام واحد فقط، وتحديدًا في صيف 1999، برز اسم المدافع ميكايل سيلفستر كأحد أبرز خريجي مدرسة رين، بعدما لفت الأنظار بأدائه القوي في الدوري الفرنسي، لينتقل إلى مانشستر يونايتد مقابل أربعة ملايين جنيه إسترليني.
ومع “الشياطين الحمر”، عاش سيلفستر واحدة من أنجح فترات مسيرته، وحقق العديد من البطولات المحلية والقارية، أبرزها دوري أبطال أوروبا والدوري الإنجليزي الممتاز، ليؤكد مرة أخرى قدرة رين على صناعة مدافعين من الطراز العالمي.
وفي عام 2004، واصل النادي الفرنسي نهجه في تسويق المواهب، حين باع الحارس التشيكي بيتر تشيك إلى تشيلسي مقابل سبعة ملايين جنيه إسترليني، في صفقة لم تكن تُعد ضخمة وقتها، لكنها تحولت لاحقًا إلى واحدة من أنجح الاستثمارات في تاريخ الكرة الإنجليزية. فسرعان ما أصبح تشيك أسطورة في “ستامفورد بريدج”، وقاد الفريق لتحقيق ألقاب الدوري ودوري الأبطال، وترسخ اسمه كأحد أفضل حراس المرمى في تاريخ البريميرليغ.
وبعد عامين، وتحديدًا في صيف 2006، انتقل لاعب الوسط الموهوب يوهان غوركوف من رين إلى ميلان الإيطالي مقابل ما يقارب خمسة ملايين يورو، بعد تألقه في الملاعب الفرنسية
ورغم أن تجربة يوهان غوركوف في “سان سيرو” لم تصل إلى الذروة المتوقعة، فإنه واصل مسيرته بنجاح مع بوردو وليون، وكان من العناصر الأساسية التي أسهمت في تتويج بوردو بلقب الدوري الفرنسي لاحقًا، ما يعكس القيمة الفنية للاعبين الذين يصنعهم رين حتى وإن لم ينجحوا فورًا في محطاتهم الأولى.
ومع دخول نادي رين عصر الصفقات الكبرى، انفجرت موهبة عثمان ديمبيلي في موسم 2016-15، ليصبح خلال فترة قصيرة أحد أكثر الأجنحة إثارة في أوروبا، قبل أن ينتقل في صيف 2016 إلى بوروسيا دورتموند.
وكانت صفقة ديمبيلي من أنجح عمليات البيع في تاريخ رين، إذ فتحت الطريق أمام انتقاله لاحقًا إلى برشلونة في صفقة تاريخية، رسخت مكانته كنجم عالمي، وأكدت مجددًا حُسن إدارة النادي لملف المواهب الشابة.
وفي صيف 2021، كتب رين فصلًا جديدًا في تاريخه مع تصدير النجوم، بعدما باع جوهرته إدواردو كامافينغا إلى ريال مدريد، وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره.
أما في عام 2020، فكان الدور على البرازيلي رافينيا، الذي غادر رين إلى ليدز يونايتد، بعد فترة قصيرة أثبت خلالها إمكاناته الهجومية الكبيرة في الدوري الفرنسي.
وسرعان ما فرض رافينيا نفسه في الدوري الإنجليزي الممتاز، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى برشلونة، ليواصل سلسلة النجاحات التي حققها خريجو رين في أكبر الدوريات الأوروبية.
أغلى صفقة بيع في تاريخ رين
تعتبر صفقة جيريمي جاكيه إلى ليفربول مقابل 63.6 مليون يورو في الميركاتو الشتوي 2026 أغلى صفقة بيع في تاريخ نادي رين، حيث أكد المدافع الشاب عبر هذا الانتقال مدى قوة الأكاديمية الدفاعية للنادي الفرنسي وقدرته على إخراج مواهب على مستوى عالٍ.

وقبل ذلك، خطف باريس سان جيرمان الموهبة الهجومية الواعدة “ديزيري دوي” مقابل 50 مليون يورو، ليصبح أحد مشاريع المستقبل في “حديقة الأمراء”؛ وبرز مع الفريق بعدها أخيه غويلا دوي الذي ظل في الدوري الفرنسي بانضمامه إلى ستراسبورغ مقابل 6 ملايين يورو.
فيما كان انتقال عثمان ديمبيلي -الحاصل على جائزة الكرة الذهبية مؤخرًا- إلى بوروسيا دورتموند مقابل 35 مليون يورو نقطة تحول حاسمة في مسيرته، ومهد لصفقة تاريخية لاحقًا مع برشلونة نظير 150 مليون يورو تقريبًا.
ومن فرنسا إلى إسبانيا، رحل إدواردو كامافينغا إلى ريال مدريد مقابل 31 مليون يورو وهو في سن مبكرة، ليبدأ مرحلة جديدة من التألق على مستوى البطولات القارية.
وباع رين اللاعب كادر ميتي إلى الهلال السعودي مقابل 30 مليون يورو، في واحدة من أبرز صفقات رين نحو الدوري السعودي ضمن موجة الانتقالات الكبرى.
كما تحصل على 27 مليون يورو من بيع ليزلي أوجوتشوكو إلى تشيلسي، و20 مليون يورو مقابل بيع ماتيس تيل إلى بايرن ميونخ.
ولا يمكن تجاهل النجوم الذين أصبحوا رموزًا على المستوى الدولي بعد رحيلهم عن رين، مثل الجناح البلجيكي المهاري جيريمي دوكو الذي انضم إلى مانشستر سيتي، والحارس السنغالي إدوارد ميندي الذي تألق مع تشيلسي وأثبت نفسه كأحد أبرز حراس المرمى في الدوري الإنجليزي قبل الانتقال للدوري السعودي إلى أهلي جدة.



