لا مكان للصدف..كيف عادت كرة القدم المجرية إلى الواجهة؟

بعد ثمانينيات القرن الماضي، بدأ كل شيء يخُصّ الكرة المجرية بالانهيار واحدًا تلو الآخر، مواهب شحيحة، نظام استقطابي سيء، نظام أكاديمي أسوأ.

أندية المجر كانت تقدِّم كرة قدم باهتة، والدوري لا يتابعه أحد والملاعب خاوية على عروشها، صامتة كئيبة. كرة القدم التي كانت اللعبة الشعبية الأهم في المجر، لم تعد بتلك الشعبية الجارفة.

بدأ الأمر يسير في إتجاهٍ واحد فقط من بعد انتهاء مرحلة بوشكاش في الستينيات، اللا أمل..المجر الذهبية لن تعود يوماً ما إلى الواجهة، إلا إذا حدثت مُعجزة ما.

فيلسكوت

فيلسكوت، بلدة صغيرة تقع على بُعد بضعة كيلومترات من العاصمة المجرية بودابيست، هناك يقبع ملعب بانكو أرينا.

بانكو هو الإسم الذي أطلقه جمهور ريال مدريد على أسطورة المجر في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، فيرينك بوشكاش، نعم كما حزِرت.

رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان داعم كرة القدم الأول في المجر
رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان داعم كرة القدم الأول في المجر

بانكو أرينا هو الملعب الخاص بنادي Puskás Akadémia، النادي الذي أسِّس في عيد ميلاد بوشكاش الـ 80، عام 2007، على يد بطل قصتنا اليوم، رجل القانون والسياسي، وأحد أغنى رجال الدولة هناك في المجر “ڤيكتور أوربان”.

أوربان، كان لاعباً سابقًا، لكنه لم يكُن لاعباً مُحترفاً ولم يصل للمستوى الأعلى من اللعبة، حيث كان لاعباً لفريق بدوري القسم الرابع، لطالما كان أوربان شغوفاً باللعبة، شغوفاً حدّ الإدمان لها، يُقال بأنَّه يتابع قُرابة الـ6 مباريات بشكلٍ شبه يومي.

لك أن تتخيل أن وجهة رحلته الأولى كرئيساً للوزراء في عام 1998، كانت إلى نهائي كأس العالم آنذاك في باريس بين فرنسا والبرازيل، ومنذ ذلك الحين، لم يفوِّت حضور أي مباراة نهائية في دوري أبطال أوروبا حتى يومنا هذا.

شغف أوربان الاستثنائي للعبة، جعله يحلم دائماً بحُلمٍ واحدٍ فقط، إعادة أمجاد الكرة المجرية، الفريق الذهبي الذي صال وجال في كل ارجاء القارة مُقدِّماً إحدى أقوى نسخ المنتخبات على مرّ تاريخ اللعبة.

لم يَسعد أوربان بما وصلت إليه الكرة المجرية من تدهور وانحدار، وقرر أن يبدأ الرحلة هناك في فيلسكوت، المكان الذي قضى فيه أعواماً في طفولته وشبابه.

بوشكاش أكاديميًا؛ يملك إحدى أكبر قواعد الاستقطاب في كل ارجاء المجر؛ كشَّافين بكل مُقاطعة وبكل مكان توجد فيه كرة قدم في البلاد.

يملك كذلك أكبر أكاديمية متواجدة في المجر، والتي تملك تعاقُداً رسمياً مع أكثر من 50 ناد في الدرجات المختلفة في البلاد، على رأسهم أندية الدوري المجري الممتاز.

لقد ترك أوربان منصبه في عام 2002، حتى عاد مرة أخرى له كرئيس للوزراء في العام 2010، وهنا، بدأت ثورة أوربان الحقيقية، هنا، قرر أوربان، أن يغير كل شيء من حوله!

المجر تغلق 140 ملعبًا

قبل قدوم أوربان، ومنذ العام 1990 وحتى العام 2010، تدور حال المجر كرويًا لدرجة وصلت لاغلاقها 140 ملعب كرة قدم في العاصمة بودابيست فقط.

ملعب بانكو أرينا في المجر من الخارج
ملعب بانكو أرينا في المجر من الخارج

أوربان كان يعلم بأن البنية التحتية للعبة تدهورت بشكل مزرٍ، لذلك، بدأ العمل من هناك. بانفاق ملايين اليوروهات على إعادة بناء ملاعب قديمة، وإنشاء أخرى جديدة في كافة المدن.

بخلاف إستاد بوشكاش أرينا الذي يحمل سعة 66,000 متفرج، والذي تم إفتتاحه في عام 2019، منذ عام 2010 وحتى 2020، تم إنشاء أكثر من ألف ملعب لكرة الصالات، وأكثر من 2000 ملعب كرة قدم تم إعادة بناءه أو إنشاءه من الصفر.

أراد أوربان قبل كل شيء أن يعود الجميع للعب كرة القدم، في الفترة التي تدهورت بها اللعبة إتجه الكثير من الأطفال والشباب إلى سبل ترفيهية أخرى، ومع تزايد تلك السبل بشكل واضح مع التقدم التكنولوجي الكبير عاماً بعد عام، أصبحت الكرة لعبة ثانوية في المجر.

إستثمارات أوربان الكبيرة أدت إلى زيادة عدد اللاعبين المُسجَّلين في الإتحاد المجري لكرة القدم من 123 ألف لاعب إلى 282 ألف لاعب، زيادة بمرةٍ ونصف تقريباً، والأهم أن تلك الزيادة كانت النسبة الأكبر منها للفئة العمرية الذهبية كما تُسمى في كرة القدم (6 أعوم إلى 14 عامًا).

ليس ذلك فحسب، أوربان قام بتقليل تكاليف الإشتراك في البطولات التنافسية لأندية الهواة “Amateur Football” بـ 90% عن تكلفتها الأصلية.

ولم تعد أندية الهواة هواة ببساطة، بل أصبحت أندية شبه محترفة “Semi-Professional”، هذا أن إستثمارات أوربان طالتها هي الأخرى.

تخطيط المجر في النظام الأكاديمي

البنية التحتية ليست كل شيء، وأوربان لم يُنفق كل الميزانية عليها، لكنه أنفق على التخطيط في النظام الأكاديمي، والذي تغير تماماً عما كان عليه.

التخطيط في النظام الأكاديمي
التخطيط في النظام الأكاديمي في المجر بقيادة أوربان

في حقيقة الأمر، المجر بها فقط 10 أكاديميات كبرى لكرة القدم -نعم كما قرأت- وهي لعشرة أندية من دوري الدرجة الأولى من بينهم فرينكفاروزي وبوسكاس أكاديميا وإم تي كي بودابيست، لكن هذه ليست الصورة الكُبرى.

النظام الأكاديمي في المجر هو نظام مُعقَّد قليلاً، البداية من مراكز كرة القدم في المقاطعات “Disrict centres”،
أو يمكننا أن نُقول أندية الهواة، والتي قد تصل إلى 5-6 أندية بكل مقاطعة، بالإضافة إلى المدارس التعليمية، ثم الدرجة الأعلى وهي مراكز تُعرف بالـ Talented centers، هذه المراكز تستقطب أفضل المواهب المتواجدة بمراكز المقاطعات وبالمدراس.

صفوة هذه المواهب من سن 6 إلى 13 عامًا، أو ما نُطلق عليهم في كرة القدم بالعمر الذهبي للتعلُّم، وهؤلاء اللاعبين اليافعين يتم تأهيلهم إلى الوصول لأحد أكاديميات الصفوة في البلاد عن طريق إتباع النظام التدريبي الحديث المُعتمد من قبل الإتحاد المجري لكرة القدم الـ Talented center، وكل منها تملك -على الأقل- إتفاقاً رسمياً واحداً مع أحد الأندية الكبرى في البلاد لنقل المواهب إلى أكاديمياتها بشكلٍ دوري.

الأهم من تعليم اللاعبين..تعليم المعلّمين!

إن كُنت قد قرأت الفقرة السابقة بتمعُّن فلابد أنك لاحظت ذكر فقرة «النظام التدريبي المُعتمد من الإتحاد المجري» ببساطة، الأهم من تعليم اللاعبين، هو تعليم المعلِّمين!

الأهم من تعليم اللاعبين..تعليم المعلّمين - سياسة المجر في كرة القدم
الأهم من تعليم اللاعبين..تعليم المعلّمين – سياسة المجر في كرة القدم

منذ عام 2016 وحتى عام 2019 هناك 5000 معلم للتربية البدنية قام الإتحاد المجري لكرة القدم بتدريبهم في برنامج تدريبي إستمر إجمالي 30 ساعة عمل للمشاركة في تحسين تعليم كرة القدم في المدارس وتضمينها بشكل أكبر في دروس التربية البدنية.

المعلومة الأهم، هي أن كل المدربين المتواجدين بجميع طبقات النظام الأكاديمي في البلاد يجب أن يمتلكوا الرخص التدريبية المُقدَّمة من الإتحاد الأوروبي لكرة القدم، UEFA C/UEFA B.

والإتحاد المجري لم يُضف فقط تلك البرامج التعليمية للمدربين بل قام بزيادة عدد ساعات التدريب إلى الضعف حتى يكون كل مدربين الفئات السنية بالأخص فئة ما دون 14 عامًا، مؤهلين وعلى دراية كاملة بكيفية تعليم اللاعبين كرة القدم بشكل إحترافي.

وقبل ذلك يجب أن يتم تأهيليهم على كيفية التعامل «تربوياً مع اللاعبين في الرياضة عموماً»، وإن خرجنا قليلاً عن إطار كرة القدم، فإن الحكومة المجرية قامت بزيادة عدد الدبلومات الرياضية المُقدَّمة من 5 آلاف دبلومة إلى 15 ألف دبلومة رياضية مختلفة.

لا يتوقف الأمر فقط عند تقديم الرخصة للمدربين وتعليمهم آليات العمل! الإتحاد المجري لكرة القدم يقوم بعمل مراقبة دورية بشكل أسبوعي لهؤلاء المدربين بعد تخرُّجهم ومتابعة العمل للتأكد من أن تطبيق ما تم تعلُّمه يتم بالوجه الأمثل ولتعديل أي أخطاء قد تحدث أثناء التدريبات الفردية أو الجماعية.

ولا يقتصر الاهتمام على البرامج التدريبية للاعبين بل حتى على أنظمة التغذية الخاصة بهم، وكيفية منع الإصابات ومُراقبة الحمل البدني، حتى جودة وعدد ساعات النوم للاعبين.

في المستوى الأعلى من اللعبة، يُجبر الإتحاد المجري لكرة القدم الأندية أن تحتوي القائمة الخاصة بهم على لاعب واحد على الأقل في فئة تحت 21 عامًا، كما أنّ لاعبي هذه الفئة أيضاً لهم عدد دقائق محدد لا يجب أن يقل عنه، الهدف واضح، إعطاء الفرصة لأكبر عدد من المواهب في سنٍ صغيرة لكي يتطوروا سريعاً.

ما عائد أوربان من انفاق 70 مليون يورو؟

لنعود قليلاً إلى أوربان، إستثمارات أوربان في الكرة المجرية تعدَّت حتى حدود المجر! منذ عام 2013 وحتى عام 2018 استثمرت الحكومة المجرية ما يقرب من 70 مليون يورو لإنشاء أكاديميات كرة قدم لأندية في الدرجات المختلفة
في دول مثل صربيا، رومانيا، سلوڤاكيا، سلوڤينيا، كرواتيا، أوكرانيا.

منتخب المجر في دوري الامم الاوروبية 2023-2022

هذه الأكاديميات يتم إنشائها في مقاطعات تتواجد بها الجالية المجرية بكثرة، كما خُصِّص جزء من المبلغ في دعم أكاديميات وأندية كروية متواجدة بالفعل، في رومانيا على سبيل المثال، ثلاث أندية من الدوري الممتاز بنهاية 2018 امتلكوا دعمًا ماديًا مباشرًا من الحكومة المجرية.

لن يستثمر أوربان كل هذه المبالغ دون عائد حقيقي أليس كذلك؟ وهنا مربط الفرس.

أفضل اللاعبين في الأكاديميات ينتقلون سنوياً دون دفع أية رسوم إضافية، ينتقلون إلى أين إذاً؟ بوسكاس أكاديميا، ليس فقط بوسكاس أكاديميا ولكن أندية أخرى مثل فرينكفاروزي وإم تي كي بودابيست في الدرجة الأولى أو فرق أخرى في باقي الدرجات.

ويمتلك بوسكاس أكاديميا إتفاقيات مع عديد الأندية المجرية كما ذكرنا سلفاً، كما أنه يملك ناد في كل درجة من الأربع درجات ويملك فرقاً للأكديمية من فئة 11 عام وحتى تحت 19 عام، لا ينتقل كل اللاعبين الجيدين بالطبع إلى المجر لأن الهدف ليس تفريغ أندية هذه الدول من المواهب، قد يستمروا في أنديتهم ويحصلون على عدد دقائق كافي لتطورهم، على أمل أن يمثلوا المنتخب المجري يوماً ما..

بالكاد تذكر الـ 10 أكاديميات الخاصة بأندية الدرجة الأولى، في عام 2020 أبرم الإتحاد المجري لكرة القدم إتفاقية طويلة الأمد مع شركة Hudl لتوفير خدمات تحليل المباريات والتدريبات والتحليل بالڤيديو لمدربين ومحللين الأداء بكل أكاديمية.

نظام متكامل مع شركة Hudl

بدأت Hudl العمل مع Puskás Akadémia قبل إبرام الإتفاقية، وبعد أن أثبتت إمتياز الخدمات التي تقدمها تعاقد معها الإتحاد لتوفير نفس الخدمات لباقي أكاديميات الصفوة في البلاد، شركة Hudl هي نفس الشركه التي تعاقد معها الإتحاد البلجيكي لكرة القدم في نفس العام لتقديم نفس الخدمات لأندية الدرجة الأولى في بلجيكا.

الشركة تقدم للمحللين أحدث التقنيات الممكنة وتقوم بتدريبهم على إستخدام النظام الخاص بها لفترة طويلة قبل بداية العمل بالنظام في الأكاديميات، كما توفر الشركة دورات تعليمية لإنتاج جيلاً جديداً من محللي الأداء المجريين في البلاد كون هذا المجال أصبح لا غنى عنه في كرة القدم الحديثة في عملية تطوير اللاعبين.

جمهور منتخب المجر في يورو 2020
جمهور منتخب المجر في يورو 2020

نظام كامل متكامل، لا يشوبه شائبة، لا يترك أبسط التفاصيل الممكنة دون العمل عليها، وثماره، بدأت منذ فترة في الظهور للجميع، في آخر عامين، إستطاع المنتخب الوطني أن يتفوق على خصومه “روسيا، صربيا، تركيا” في دور المجموعات
من دوري الأمم الأوروبية 2020، الأمر الذي منحه تصنيفاً أعلى “A” في النسخة الحالية.

وقدم المنتخب المجري بطولة يورو مميزة في مجموعة صعبة على الرغم من خروجه من دور المجوعات، ثم عاد ليبهر الجميع هذا العام ويتصدر مجموعته في دوري الأمم الأوروبية على حساب منتخبات إيطاليا وألمانيا وإنجلترا، بل وفاز على المنتخب الإنجليزي ذهاباً وإياباً، وهو حدث نادر الحدوث، فلم تفز المجر على إنجلترا في مباراتين متتاليتين منذ عام 1956، نعم، المجر الذهبية!

أوربان يحصد ما زرعه

منذ بداية 2020 لعب المنتخب المجري الأول 29 مباراة فاز في 15 وتعادل 7 وخسر في 7 آخرين، معدل فوز 52% من الإجمالي في مباريات تخللها منتخبات “فرنسا، ألمانيا مرتين، البرتغال، إنجلترا ثلاث مرات، إيطاليا”.

المجر في 2020 زادت في التصنيف الدولي للمنتخبات 44 نقطة، وهو أعلى عدد نقاط في كل الـ210 منتخب بالتصنيف هذا العام، نتاجاً لذلك إرتفعت المجر في التصنيف 12 مركزاً، في نفس السنة تأهل فرينكفاروزي المجري لأول مرة منذ 25 عام لدوري أبطال أوروبا، وهو أول تأهل لفريق مجري منذ 2010 لدوري أبطال أوروبا.

جمهور منتخب المجر الافضل في يورو 2020
جمهور منتخب المجر الافضل في يورو 2020

أكثر لاعب في منتخب المجر مساهمة بالأهداف في مباريات الفريق الأخيرة بدوري الأمم وبطولة اليورو هو صاحب الـ24 عامًا رونالد سالاي لاعب فرايبورج الحالي وخريج أكاديمية بوشكاش.

أكثر لاعب في عدد الدقائق الملعوبة وأفضل وسط ميدان في الفريق «أندرياس شافر» صاحب الـ23 عامًا، ولاعب يونيون برلين الألماني هو أحد خريجي أكاديمية ام تي كي بودابيست شأنه شأن بيتر جولاتشي ودومينيك سوبوسلاي صاحب الـ21 عامًا وأفضل لاعبي المنتخب.

في 2021 أعطى المدرب الايطالي للمنتخب الأول «ماركو روسي» فرصة اللعب لـ 36 لاعبًا، من بينهم 21 لاعبًا، أي حوالي 58% قضوا فترة من عمرهم صغيرة أو كبيرة “كبيرة في الغالب” في أكاديمية من أكاديميات الصفوة في المجر، في المباريات التي لعبها المنتخب في هذا العام 10 لاعبين منهم شاركوا كأساسيين.

خاتمة

المجر لا زالت لم تصل لأفضل ما تريد في حقيقة الأمر، ورغم كل ما قاموا به إلا أنهم قاموا بعمل إستراتيجية أخرى طويلة الأمد بدأت من عام 2020 وتنتهي عام 2025 تهدف للاستمرار على نفس النهج المتبع وتحقيق الأهداف التي لم يتم تحقيقها في الفترة بين 2011 و 2020.

لكن المهم لهم هو الإبقاء على النجاحات التي حدثت في الأعوام الماضية، ومَن يدري ربما في الأعوام القليلة القادمة تصل المجر أبعد بكثير من مما وصلت إليه في الحقيقة، هذا التحوّل الهائل، ما هو إلا بداية الطريق.